ساسي سالم الحاج
32
نقد الخطاب الاستشراقي
والوحدة البشرية « 1 » . وقد طبق هذه المبادئ فعلا عندما قام بتزويج أعداد كبيرة من قواده وجنوده بالنساء الأجنبيات ، كما تزيا بالزي الفارسي واتبع في حياته الخاصة أسلوب البلاد الفارسي ، وتزوج من ابنة داريوس . لقد كان فعلا تلميذا نجيبا للفيلسوف أرسطو سعى لخلق مجتمع ليس فيه حدود تفصل بين بلاده والبلاد الأخرى التي استولى عليها « 2 » . هكذا كان الالتقاء الحضاري بين الشرق والغرب ، حيث كان تأثير اليونان قويّا على شعوب الشرق ، إلا أن هذا لا يعني البتّة أن الشرق قد استسلم لهذه المؤثرات الغربية ، فلم يكن من اليسير أن يسلم نفسه إلى الغرب أيّا كانت قوته ، ولهذا بقيت هذه الشعوب تتحدث بلغاتها الأصلية ، وتعبد آلهتها القديمة ، ولم يحصل ذلك الامتزاج الذي كان يحلم به الإسكندر بين الشرق والغرب ، بحيث لم تدخل الصفات الذهنية اليونانية في العقل الشرقي ، بل إن العكس قد حصل في غالب الأحيان ، حيث حصل التأثير من المغلوب على الغالب ، فبث الشرق عن طريق الفيلسوف « زينون » نزعته التجريدية والجبرية في الفلسفة اليونانية ، واعتنق اليونان ديانة الشرق فاستسلم العديد من الغزاة اليونان للطقوس الدينية البابلية ، والفينيقية ، والسورية . وقصارى القول أن اليونان عرضوا على الشرق الفلسفة وأن الشرق عرض على اليونان الدين ، فكانت الغلبة للدين ، وكانت أعمق فتوح الإسكندر أثرا نتيجة أبعد ما تكون عن العقول ، ألا وهي اصطباغ الروح الأوروبية بالصبغة الشرقية « 3 » . كان لموت الإسكندر المبكر ، واقتسام قواده أمبراطوريته الواسعة بينهم ، ثمّ ذلك التطاحن الذي دار بينهم حول تقسيم تلك التركة العظيمة التي لم يحسن الورثة استعمالها ، أن ضعف اليونان وأصابهم الوهن ، وتفرقوا أيدي سبأ ، فانتهز شعب
--> ( 1 ) W . W . TARN ; Alexender the Great and the Unity of mankind , London . 1933 . - أ p . 28 . ب - ول ديورانت ، قصة الحضارة ، الجزء الثاني من المجلد الثامن ، حياة اليونان ، ترجمة محمد بدران ، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية ، ط 2 ، 1968 م ، ص 532 . ( 2 ) فيليب حتى ، خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى ، المجلد الأول ، الدار المتحدة للنشر ، ط 1 ، 1975 م ، ص 144 ، ( 3 ) ول ديورانت ، قصة الحضارة ، المرجع السابق ص 47 .